سيد محمد طنطاوي
110
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هذه الأرض التي أمرتنا بدخولها في أي وقت من الأوقات ، ما دام أولئك الجبارون يقيمون فيها ، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم . وقد أكدوا امتناعهم عن دخول هذه الأرض في هذه المرة بثلاثة مؤكدات ، هي : إن ، ولن ، وكلمة أبدا . أي : لن ندخلها بأي حال من الأحوال ما دام الجبارون على قيد الحياة ويسكنون فيها . ثم أضافوا إلى هذا القول الذي يدل على جبنهم وخورهم ، سلاطة في اللسان ، وسوء أدب في التعبير ، وتطاولا على نبيهم فقالوا : * ( فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * . أي : إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره ، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه - سبحانه - ليس ربا لهم - في زعمهم - إن كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض . وقولهم : * ( إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأرض المقدسة . أي : إنا ها هنا قاعدون في مكاننا لن نبرجه ، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن في غنى عنه ، ولا رغبة لنا فيه . وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم ، ليدل على الخسة وسقوط الهمة ، لأن القعود في وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدى بصاحبه إلى المذمة ، والمذلة ، قال - تعالى - ذمّا لأمثالهم : ولَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَه عُدَّةً ولكِنْ كَرِه اللَّه انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ « 1 » . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله - تعالى - حكاية عنهم : * ( فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا ) * قالوا ذلك استهانة واستهزاء به - سبحانه - وبرسوله موسى وعدم مبالاة . وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية جهلهم ، وقسوة قلوبهم والمقابلة : * ( إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * . ولم يذكروا أخاه هارون ولا الرجلين اللذين قالا ، كأنهم لم يجزموا بذهابهم ، أو يعبئوا بقتالهم وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم قصت علينا السورة الكريمة أن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه ما رأى من عناد وجبن ، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم ، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم ، فقال : * ( رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وأَخِي ، فَافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) * . أي : قال موسى باثا شكواه وحزنه إلى اللَّه ، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم
--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 46